نظم المعلومات المحاسبية

تطوير نظم المعلومات المحاسبية في القطاع العام الاقتصادي

وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي في سورية

قبل للنشر في مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية بموجب الكتاب رقم 732/ص م ج تاريخ 27/7/2009 

الدكتور: لطيـف زيـود*

الدكتور: محمـد البهلول**

نذيـر محمـد محمـد***

 ÿ الملخص ÿ

 

إن التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتتالية التي حدثت في سورية, لاسيما في اعتماد منهج اقتصاد السوق الاجتماعي بدءاً من عام 2005, والتركيز على طاقة كافة القطاعات الاقتصادية (قطاع عام- قطاع خاص- وقطاع مشترك) على حد سواء والاستفادة من مقدراتها في خدمة عملية التنمية وعودة هدف الربح ومعايير الكفاءة والفعالية كعناوين أساسية لتقييم أداء المشروعات والوحدات الاقتصادية في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي, والتي تعد المحاسبة المالية البيئة المناسبة لها, تستوجب تطوير نظم المعلومات المحاسبية في تلك المؤسسات والشركات بما ينسجم وتلك المتغيرات، ووفقاً لمتطلبات المعايير المهنية الحديثة لإنتاج المعلومات المحاسبية الملائمة.

 

 

كلمات مفتاحية:

-        نظام المعلومات المحاسبي.

-        اقتصاد السوق الاجتماعي.

 


 

Developing Accounting Information Systems in the Economic Public Sector According to the Requirments of the Social Market in Syria

 

Dr. Latif Zayoud*

Dr. Mohammad. Albohlol**

Nazeer Mohammad***

 

ÿ ABSTRACT ÿ

 

The successive economic and social developments in Syria, especially in adopting the concept of Social Market since 2005 and focusing on the abilities of all economic sectors (public sector, private sector and common sector), and benefiting of their abilities in serving the development and the return of the profit objective, the competence and effectiveness as main topics to evaluate the performance of the projects and the economic units in the institutions and companies of the economic public sector, which the financial accounting is the suitable environment for it, necessitate developing the Accounting Information Systems in these institutions and companies in accordance with these criteria, and according to the needs of the modern professional standards to produce the suitable Accounting Information.

 

 

 

 

Key words:

-          Accounting Information system.

-          Social Market Economy

 


مقدمة:

إنَّ تطور مهنة المحاسبة في سورية ارتبط بالتدخل الحكومي في الشأن الاقتصادي الذي كان تقليدياً, في حين أن تأثير النظرية الاقتصادية الكلاسيكية كان محدوداً. بل على العكس, لقد ساد الفكر الاقتصادي الاشتراكي و مفهوم ملكية الدولة للقطاع العام الاقتصادي, كما تأثرت المحاسبة المالية في سورية بشكل عام بالتشريعات كنتيجة للتصميم الحكومي للحصول على البيانات الخاصة بالاقتصاد الكلي[1]. وقد لعب القطاع العام الاقتصادي في سورية دوراً بارزاً منذ عام 1963, حين أخذ على عاتقه عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إطار خطط اقتصادية تنموية يتم وضعها مسبقاً وفقاً لمعايير الكفاية ليصبح الربح مقياساً من جملة مقاييس أخرى تنطوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية.

فبعد أن بُدِئَ بتطبيق النظام المحاسبي الموحد منذ عام 1974 في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي, الذي بني أساساً على متطلبات التخطيط المركزي والحسابات القومية، في الوقت الذي تم فيه تأسيس جهاز حكومي لمراجعة حسابات شركات القطاع العام وفقاً للمتطلبات السابقة؛ وبعد مضي ثلاثة عقود من الزمن نجد أن العديد من مؤسسات وشركات هذا القطاع تعاني من خسائر هامة، وقلة قليلة فقط حافظت على بعض الأرباح، وهذا يعود إلى أسباب عدة: منها ما يرتبط بطبيعة وتوجه النظام الاقتصادي الذي يقوم على تأمين السلع والخدمات وتوظيف اليد العاملة بغض النظر عن كفاءة استخدام الموارد المتاحة، فالتركيز أولاً على تلك الحاجات على المستوى الكلي في نقل شبه كامل لعبء الاستخدام الأمثل من الوحدات الاقتصادية إلى الإدارات المركزية وما نجم عنه من تهميش واضح لتلك الوحدات، الذي انعكس لاحقاً في إتكالية إداراتها، واتساع دائرة الهدر والفساد، وإهمال أنظمتها المحاسبية، وغياب واضح للدور الرقابي الفاعل الداخلي والخارجي، الأمر الذي أدى إلى تخلف تلك النظم سواء من حيث جمود طرق القياس المحاسبي المستخدمة، أو من حيث غياب العديد من متطلبات الإفصاح المحاسبي، مما انعكس سلباً على وفرة وجودة المعلومات المحاسبية.

وعلى أثر إجراءات الانفتاح الاقتصادي في سورية منذ بداية التسعينات, وانتهاءً بتبني اقتصاد السوق الاجتماعي رسمياً عام 2005، كان لا بد من إعادة صياغة الأنظمة المحاسبية في القطر على أساس معايير عصرية تحقق متطلبات الاعتراف والقياس والإفصاح المطلوبة للحصول على معلومات تساعد الإدارات على تقييم الأداء الفعلي والتخطيط المالي المستقبلي في إطار مقاييس الربح والكفاءة الاقتصادية والمنافسة، مما أدى إلى تغيير النظام المحاسبي الموحد بوضع النظام المحاسبي الأساسي الجديد الصادر بالمرسوم490 لعام 2007 الذي طُبِّقَ اعتباراً من 1/1/2009. مسايراً بذلك التطورات النوعية التي حدثت في علم المحاسبة في إطار اقتصاديات السوق لاسيما بإنتاج معايير المحاسبة الدولية التي شهدت قبولاً دولياً, وتم تبنيها من قبل الكثير من دول العالم بدءاً من 1/1/2005م.

أهمية البحث:

تبرز أهمية البحث من خلال الاعتقاد بأن إصلاح الجهاز الحكومي بشكل عام يجب أن ينطلق من إصلاح نظم المعلومات المحاسبية، ذلك بأن التخطيط الكفء والرقابة الفعالة والشفافية في عرض المعلومات الكاشفة للأخطاء والباعثة على التطوير والابتكار في إطار مقاييس الربح والمنافسة والكفاءه– الدور الجديد المطلوب من القطاع العام الاقتصادي وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي- تعتمد جميعها على نظام محاسبي قادر على توفير تلك المعلومات. لذلك تم إصدار المرسوم رقم 490 بتاريخ 26/12/2007 الذي نص على تطبيق النظام المحاسبي الجديد اعتباراً من 1/1/2009 على المؤسسات والشركات والمنشآت العامة باستثناء المصارف العامة والمؤسسة العامة السورية للتأمين والمؤسسة العامة للتأمين والمعاشات والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية[2]، وذلك بدلاً من النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم رقم 287 لعام 1978.

مشكلة البحث:

إن محاولة إعادة بناء نظام معلومات محاسبي وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي وبإطار مفاهيمي يستقي محدداته من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية في الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة لتلك المؤسسات والشركات لم تراعِ نوعين من المتغيرات:

المتغير الأول: الخصائص البيئية للقطاع العام الاقتصادي محل التغيير: والتي تكرست عبر ثلاثة عقود من الزمن، وتتجلى في ثلاث قضايا أساسية:

1.      الترهل الإداري.

2.      غياب أو ضعف المنافسة وعدم أولوية الربح.

3.      الانخفاض الشديد في كفاءة الموارد البشرية.

المتغير الثاني: مدى قدرة النظام المحاسبي الجديد على إنتاج المعلومات المحاسبية الملائمة لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المتمثلة في اقتراح اقتصاد السوق الاجتماعي كمنهج رسمي اعتباراً من عام 2005؛ ويرتبط تحديد هذه القدرة في بحث القضايا التالية:

1.     دراسة نقدية للنظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287) لعام 1978.

2.     أهم الاختلافات بين النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287), والنظام المحاسبي الأساسي الصادر بالمرسوم (490).

3.     الاعتراف والقياس والإفصاح في ظل النظام المحاسبي الجديد.

وتعتبر تلك المتغيرات التي حددها الباحث بمثابة أسئلة سوف يحاول الإجابة عنها من خلال هذا البحث.

هدف البحث:

يسعى الباحث من خلال هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:

1.  تحديد الخصائص البيئية الإدارية والمالية للقطاع العام الاقتصادي لتحديد المعوقات التي قد تمنع من الاستفادة من تطوير نظام المعلومات المحاسبي في مؤسساته وشركاته المختلفة.

2.   تحديد أهم متطلبات تطوير نظام المعلومات المحاسبي في القطاع العام الاقتصادي وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي في سورية.

3.  بيان مدى قدرة النظام المحاسبي الجديد على إنتاج المعلومات المحاسبية التي من شأنها تلبية متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي “المنهج الاقتصادي والاجتماعي الجديد”.

أسئلة البحث:

يحاول الباحث من خلال البحث الإجابة على الأسئلة التالية:

المتغير الأول: الخصائص البيئية للقطاع العام الاقتصادي محل التغيير والتي تكرست عبر ثلاثة عقود من الزمن، وتتجلى في ثلاث أسئلة أساسية:

1.   إلى أي مدى يشكل الترهل الإداري عائقاً أمام وجود نظام معلومات محاسبي يوائم متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي وينسجم مع المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة؟.

2.   إلى أي مدى يعتبر غياب أو ضعف المنافسة وإجراءات تحقيق الربح بمفهوم قطاع الأعمال في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي عائقاً أمام وجود نظام معلومات محاسبي وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي؟.

3.   إلى أي مدى يحول عدم تأهيل الموارد البشرية وانخفاض كفاءتها في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي من تطبيق نظام معلومات محاسبي وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي وبإطار مفاهيمي يستقي محدداته من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة؟.

المتغير الثاني: مدى قدرة النظام المحاسبي الجديد على إنتاج المعلومات المحاسبية الملائمة لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المتمثلة في اعتماد اقتصاد السوق الاجتماعي كمنهج رسمي اعتباراً من عام 2005.

1.      ما هي الأسباب التي أدت إلى تغيير النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم 287 لعام 1978؟.

2.   ما هي أهم الاختلافات بين النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287), والنظام المحاسبي الأساسي الصادر بالمرسوم (490)؟.

3.   ما مدى قدرة وسائل وطرق الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي التي نص عليها النظام المحاسبي الجديد على إنتاج معلومات محاسبية ملائمة في ظل تطبيق المدخل المهني المتمثل في المعايير الدولية؟.

منهجية البحث:

تعتمد المنهجية المتبعة في هذا البحث على:

1.  المنهج الوصفي التحليلي أو منهج تحليل المحتوى لأهم ما كتب في المراجع والدراسات المتعلقة بموضوع البحث والاستفادة منها في تحديد متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي أولاً، ومعايرة ما يجب أن يكون عليه نظام المعلومات المحاسبي وخصائصه في إطار التطورات التي حصلت على مستوى المهنة ثانياً.

2.  المنهج الاستقرائي أو الإيجابي وقد استخدمه الباحث من خلال الدراسة التحليلية لواقع الخصائص البيئية الإدارية والمالية للقطاع العام الاقتصادي أولاً، ولنظام المعلومات المحاسبي الجديد ثانياً، وذلك في ضوء متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي، تمهيداً لنقده وتطويره في محاولة جادة لتحسينه.


النتائج والمناقشة:

متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي وتحديات تطبيقه في سورية:

لعل من أهم المبادئ الأساسية لاقتصاد السوق الاجتماعي وفقاً لفالتر آيكون الممثل الرئيس لليبرالية المنظمة هي:[3]

-  وضع نظام تسعير فعّال للسلع والخدمات وأسواق المال.

-  سياسة نقدية تبنى على أساس استقرار قيمة النقد.

-  ضمان حرية التعامل والنفاذ إلى الأسواق وحرية تملك وسائل الإنتاج وحرية التعاقد.

-  مبدأ الالتزام والمسؤولية المتكاملة لمالكي وسائل الإنتاج عن ملكيتهم.

-  ثبات واستقرار السياسة الاقتصادية.

ولضمان النتائج الإيجابية للسوق التي يمكن أن تسفر عنها المنافسة يجب التركيز على:

-  مكافحة لاحتكارات.

-  السياسة البناءة للدخل لإعادة توزيعه وتصحيح اختلالا ته تلقائياً عبر السوق.

-  المحاسبة الاقتصادية وفقاً لمبدأ الأسباب.

يمكن القول إن من متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي ما يلي:

أولاً: اقتصاد السوق:

للسوق ثلاثة عناصر أساسية هي: قوة العمل المحررة، آلية للعرض والطلب من أجل تحديد الأسعار، وأداة للنمو. كما يجب أن تتوفر في تلك السوق شروط أساسية تضمن أداءها على نحو كفء (الكفاءة الاقتصادية في إدارة الموارد المتاحة)، ولعل من أهمها أن توفر فضاءً مفتوحاً للمبادرة الفردية، وأن تكون سوقاً تنافسية (في العرض والطلب).[4]

ثانياً: العدالة الاجتماعية:

إن البعد الاجتماعي لاقتصاد السوق الاجتماعي يتجلى أساساً في الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة في إدارة هذا النموذج نظرياً وعملياً بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال استخدام آليات السوق وقواعدها مع إخضاعها بشكل مستمر للتصحيح والتصويب والترشيد حتى يتطابق مع التنمية الاجتماعية وأهدافها ومتطلباتها, لذلك يجب أن يخضع هذا الدور لمحددات أساسية أهمها:

1.  تأمين البيئة الاقتصادية التنافسية، وذلك من خلال التدخل المستمر في السوق وتصحيح الاختلالات التي تنجم عن عمل آلياتها، وتستخدم لتوفير هذا المحدد مجموعة من السياسات المعروفة تتركز حول منع الاحتكار وحماية المستهلك.

2.   إقرار العديد من القوانين الملزمة كتحديد الحد الأدنى للأجر الذي يزيد عن نفقات المعيشة الضرورية ويؤمن العيش الكريم للعاملين، وضمان شروط تعاقدية بين العامل ورب العمل تحد من تحكم هذا الأخير، وتفرض استقراراً في سوق العمل، ومحاولة الحد من البطالة من خلال زيادة الإنفاق الاستثماري العام.

3.  التوزيع وإعادة التوزيع العادل للدخل، بفرض الضريبة العادلة على ما ينجم عادة عن تطبيق آليات السوق من تمركز كبير في الثروة نتيجة لتحقيق أرباح كبيرة نتيجة لزيادة الإنتاجية، الأمر الذي ينشأ عنه تفاوت طبقي كبير ومشاكل اجتماعية هامة على مستوى البطالة والفقر وتدني مستوى الخدمات نتيجة لتقلص حجم الدولة ودورها الاقتصادي والاجتماعي. ثم قيام الدولة بإعادة توزيع ذلك الفائض من خلال تأمين العديد من متطلبات العدالة الاجتماعية كالخدمات الاجتماعية الضرورية كالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي ومشاريع البنية التحتية وغيرها.

4.  تصدي الدولة للعديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تميز الدول النامية عن تلك المتقدمة نذكر منها التخلف الصناعي وانخفاض الاستثمار والدخل القومي، والتحدي السكاني، والبطالة، وضعف التأهيل في الموارد البشرية.

5.  إن مصطلحي العام والخاص هي مصطلحات اقتصادية عالمية انطلقت أساساً من وظيفة كل منهما في عملية التنمية أو النمو. تبلغ مساهمة القطاع العام في الناتج المحلي الإجمالي في دول كفرنسا وبريطانيا حوالي 40%، وفي بعض الدول الاسكندينافية حوالي 60%؛ في الوقت الذي لم تعد فيه مساهمة هذا القطاع تتجاوز 35% في سورية. [4]

وعليه فإن بقاء القطاع العام ودوره الأساسي في عملية التنمية كأداة من أدوات التدخل أمر لا غنى عنه، بل إن حمايته وزيادة قوته، كما أن حماية الملكية العامة واجب وطني ودستوري ينبغي الحفاظ عليه؛ وهذا الدور لا يقتصر على ملء الفراغ الذي يعزف القطاع الخاص أو قطاع الأعمال عن ملئه بالاستثمارات المناسبة وحسب، بل ويتعداه إلى أية قطاعات أخرى تمليها الضرورة الوطنية أو المصلحة العامة، طالما أن الجميع سيعمل وفقاً لمحددات المنافسة والكفاءة في إطار هذا المنهج؛ وتعد عملية تطوير هذا القطاع أو إصلاحه من الناحية المالية والإدارية والرقابية من المهام التي يجب أن تضطلع بها الدولة (في الاقتصاديات النامية) خاصة وأن قطاع الأعمال في هذه الدول لم يرتق بعد إلى مصاف قطاعات الأعمال في دول متقدمة كثيرة كالصين وأوروبا وغيرها.

ثالثاً: نظم المعلومات المحاسبية:

لا بدَّ من الارتقاء بالأنظمة المحاسبية والمالية والإدارية إلى المستوى الذي يكفل توفير المعلومات الملائمة التي لا غنىً عنها لضمان نجاح هذا المنهج وفي مختلف القطاعات الاقتصادية, فنظام المعلومات المحاسبي الملائم ضروري للقطاع العام الاقتصادي لمعرفة مدى استغلال الوحدة الاقتصادية للموارد الاقتصادية المتاحه -محدد الكفاءه- من خلال التعرف على تكلفة عوامل الإنتاج ومساهمتها في خلق القيمة المضافة، ولتنمية قدرته على التخطيط والرقابة واتخاذ القرارات المناسبة لزيادة الإنتاجية وبالتالي الربحية.

تعترض سورية صعوبات جمة في تطبيق هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي في الأمد القصير وربما في الأمد المتوسط، لأن تطبيقه يستلزم نمواً اقتصادياً فعالاً وتوسعاً كبيراً بمعدل نمو 7% ومعدل استثمار يتراوح بين 40 و50 %، كما يستلزم ترشيداً إنمائيا فعالاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية على السواء أو تقليصها كما تنص متطلبات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للدول النامية وهو مالا يحمد عقباه، لذلك يجب أيضا إزالة جملة من العوائق البنيوية والأخرى النابعة من نظام السوق وسياساته, وهذا ما يجعل الاقتصاد الوطني أمام مجموعة من التحديات وهي:[4]

1.            تحديات اقتصادية:

تشمل التحديات الاقتصادية مجموعة من التحديات نذكر منها: ضعف كفاءة الأسواق وعجزها عن الاستثمار الأمثل للموارد الذي يتجلى في ضعف التصدير واختلال التجارة الخارجية لاسيما فيما يتعلق بنوعية المزيج السلعي المصدر والمستورد، وتخلف القطاعات المادية وتراجع النمو الحقيقي واختلال المساهمة القطاعية في الناتج المحلي الإجمالي بما فيها تراجع الصناعة التحويلية في القطاع العام خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، بالإضافة إلى الانخفاض في إنتاجية عوامل الإنتاج بما فيها الضعف الشديد في تأهيل وكفاءة الموارد البشرية.

2.            تحديات اجتماعية:

تتمثل التحديات الاجتماعية في أزمة الدور الاجتماعي للدولة الذي يتمحور حول الدور المستقبلي المطلوب في إيجاد التوازن والتجانس والتآلف بين مختلف مكونات منهج اقتصاد السوق الاجتماعي ومتطلبات تطبيقه, ولعل الدور الأهم يكمن في تأمين الكفاءة المطلوبة لعمل آليات السوق من حيث تأمين البيئة التنافسية ومنع الاحتكار وإدارة رأس المال لتحقيق متطلبات التنمية وتحقيق البعد الاجتماعي؛ بالإضافة إلى معالجة الخلل في توزيع الدخل الوطني من خلال إصلاح النظام الضريبي بهدف التوزيع العادل للدخل واستثماره في مواجهة التحدي المرتبط بالنمو السكاني وتزايد معدلات البطالة والأمن الغذائي، والارتقاء بمستوى الخدمات الذي شهد تدنياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة كالتعليم والصحة وغيرها.

3.            تحديات على مستوى مهنتي المحاسبة والمراجعة:

لقد أظهر التقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري, الترتيب الضعيف لسورية في مؤشر قوة أنظمة المحاسبة والرقابة حيث احتلت سورية الترتيب 120 للعام 2007 من أصل 131 دولة ضمها التقرير[5], ويعبر عن الواقع المتأخر جداً لتطبيق المعايير الدولية للمحاسبة والتدقيق من قبل قطاع الأعمال كما يعبر عن مدى تخلف أنظمة المحاسبة والمراجعة المعتمدة في سورية وابتعادها عن المعايير الدولية وهو ما لا يتناسب والمرحلة المقبلة ولا يشجع على الاستثمار والعمل كما جاء بالنص الحرفي للتقرير الذي يعد الأول من نوعه في سورية حتى الآن. وإذا أضفنا إلى ما سبق تأخر تطبيق النظام المحاسبي الجديد في القطاع العام الاقتصادي الذي أُقِّرَ بالمرسوم التشريعي رقم 490 المعتمد أساساً في بعض مكوناته على معايير المحاسبة الدولية على الرغم من عدم استيفائه لمتطلبات تلك المعايير ونظم المعلومات المحاسبية الحديثة, يتبين مدى الحاجة إلى تطبيق هذه الأنظمة وفقاً لتلك المتطلبات كشرط أساسي ليس لتعزيز تنافسية الاقتصاد السوري وحسب, بل والمساهمة في توفير البيئة المناسبة التي تساعد على مواجهة التحديات المذكورة ومتطلبات تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي.

 

نظم المعلومات المحاسبية:

أولاً: تعريف نظام المعلومات المحاسبي:

يمكن تعريف نظام المعلومات المحاسبي بأنه ذلك الجزء الأساسي والهام من نظام المعلومات الإداري في الوحدة الاقتصادية في مجال الأعمال الذي يقوم بحصر وتجميع البيانات المالية من مصادر داخل وخارج الوحدة الاقتصادية ثم يقوم بتشغيل هذه البيانات وتحويلها إلى معلومات مالية مفيدة لمستخدمي هذه المعلومات داخل وخارج الوحدة الاقتصادية[6].

وفي تعريف آخر نجد أن نظام المعلومات المحاسبية هو: نظام يجمع ويوثق ويخزن ويعالج البيانات لإنتاج المعلومات لصناع القرار[7].

ويلاحظ من هذين التعريفين أنَّ نظام المعلومات المحاسبي لا يعتبر بديلاً لنظام المعلومات الإداري ولا منفصلاً عنه, ولكن يعتبر نظاماً من النظم الفرعية المكونة لنظام المعلومات الإداري داخل الوحدة الاقتصادية. بل يمكن القول أنَّ نظام المعلومات المحاسبي يعتبر من أهم وأكبر النظم الفرعية في نظام المعلومات الإداري. فيتصف نظام المعلومات المحاسبي بالشمول حيث يمتد إلى كل نشاط الوحدة الاقتصادية ويوفر المعلومات المفيدة للمديرين في كل المستويات الإدارية. فغالباً ما يحتاج كل موقع من مواقع اتخاذ القرارات إلى المعلومات المحاسبية سواء في المستويات الدنيا لمعرفة سير العمل اليومي, أو مستوى الإدارة الوسطى لمعرفة مستوى جودة وكفاءة الأداء, أو مستوى الإدارة العليا في شكل الموازنات الرأسمالية التي توضح نتائج القرارات الاستثمارية المختلفة في الأجل الطويل والعائد المتوقع على هذه الاستثمارات. هذا بالإضافة إلى تداخل نظام المعلومات المحاسبي وتفاعله مع سائر النظم الفرعية الأخرى التي يمكن أن توجد في نظام المعلومات الإداري مثل نظام الإنتاج, التسويق, الأفراد, التمويل….إلخ.

ثانياً: مكونات نظام المعلومات المحاسبي:

يتكون نظام المعلومات المحاسبي من مجموعة من الأجزاء البشرية المتمثلة بكافة الأشخاص العاملين في الإدارة المحاسبية الذين يستخدمون مجموعة من الأجزاء المادية المتمثلة بكافة لوازم أداء العمل المحاسبي من دفاتر وسجلات وآلات ومعدات…إلخ، وفق إجراءات وقواعد محاسبية معينة في سبيل القيام بتسجيل البيانات وتشغيلها وتوصيل نتائجها في مجموعة من التقارير والقوائم المالية إلى كافة الجهات التي يمكن أن تستفيد منها في اتخاذ القرارات المختلفة[8], ويمكن تحديد مكونات نظام المعلومات المحاسبي كما في الشكل التالي أدناه, وذلك من خلال التعريف التالي للمحاسبة: “المحاسبة هي نظامٌ للمعلومات يهتم بتحديد وقياس وتوصيل معلومات كمية عن الوحدة الاقتصادية، يمكن استخدامها في عمليات التقييم واتخاذ القرارات من قبل الأطراف أو الفئات المستخدمة لهذه المعلومات”[9].

الشكل رقم (1)

مدخلات

البيانات الماليـة

التسجيل, التبويب، التلخيص, التفسير

التقارير المالية

وسائل المعالجة والتشغيل

مخرجات

مكونات نظام المعلومات المحاسبي[9]

الرقابة (التغذية العكسية)

1)            مدخلات نظام المعلومات المحاسبي:(Input)

تتمثل مدخلات نظام المعلومات المحاسبي بالاحتياجات الأساسية (الأولية) اللازمة لعمل النظام وتسمى البيانات، يتم تجميعها وحصرها تمهيداً لإدخالها للنظام لمعالجتها، وهي عبارة عن الأحداث الاقتصادية ذات الطبيعة المالية, يتم التعبير عنها بوحدة النقد المستخدمة، كما يتم تفريغ هذه البيانات وتجميعها من الوثائق والمستندات المختلفة, ومن الممكن أن تكون مدخلات نظام معين بمثابة مخرجات لنظام آخر أو عدة نظم أخرى عندما تستخدم كمدخلات جديدة في التشغيل من خلال التغذية العكسية أو من خلال علاقات الترابط والتكامل والتنسيق التي تكون بين تلك النظم, حيث يتم الحصول عليها من الأدلة الموضوعية المؤيدة للأحداث المالية (المستندات) والبيانات التقديرية التي يتم إعدادها عن طريق عناصر النظام الأخرى ، والبيانات الكمية والاقتصادية, وقد عبر التعريف السابق عن عمليات وإجراءات هذا المكون من النظام بالمصطلح تحديد (Identifying).

2)            عمليات التشغيل: (Process)

تمثل مجموعة العمليات التي تجرى بواسطة الأجهزة أو القوى والوسائل والإجراءات التي يستخدمها النظام لمعالجة البيانات الأولية (المدخلات), لتحويلها إلى معلومات مفيدة في نهاية المطاف (لمخرجات) من خلال توجيه مسارات تفاعل هذه المدخلات وضبطها باستخدام قوى بشرية ومادية وإجراءات أخرى معينة. وفي نظام المعلومات المحاسبي تتمثل العمليات التشغيلية في عمليات التسجيل والتجميع والتبويب والتلخيص والتفسير التي تجرى على المدخلات (البيانات) في الدفاتر والسجلات المحاسبية كدفاتر اليومية والأستاذ والدفاتر المساعدة وفق المبادئ والمفاهيم والقواعد المحاسبية إضافة إلى استخدام الأساليب المختلفة في تحليل العلاقة بين التكلفة والحجم والأرباح، بحوث العمليات ، الخرائط الإحصائية للرقابة على التكاليف وغيرها, وقد عبر التعريف السابق عن هذه العمليات من نظام المعلومات المحاسبي بالقياس (Measurement).

3)            المخرجات (Output):

تتكون مخرجات نظام المعلومات المحاسبي من تقارير وقوائم مالية يتم تجهيزها وعرضها بشكل منظم ومفهوم حتى يستطيع المستخدم الاستفادة منها وتتكون هذه التقارير من نوعين: تقارير داخلية وتقارير خارجية, وقد عبر عنها التعريف السابق بالتوصيل (Communicating), وهي من أهم وظائف المحاسبة, خاصة في عالم تأخذ فيه المعلوماتية حيزاً كبيراً, فالمعلومات الملائمة التي يقدمها نظام المعلومات المحاسبي هي غايته وهدفه الأساسي.

لقد بذلت مختلف الجهات والمؤسسات الأكاديمية والمهنية جهوداً حثيثةً لتعزيز مخرجات نظام المعلومات المحاسبي وجعلها أكثر فائدة للمستخدمين المختلفين, وكان من أهمها ما قدمه معهد المحاسبين القانونيين الأمريكيين (AICPA) بخصوص الأهداف الأساسية لمخرجات النظام المحاسبي (التقارير المحاسبية المنشورة), وتلك التي أصدرها مجلس معايير المحاسبة في أميركا (FASB) بخصوص معايير جودة المعلومات المحاسبية، حيث أوضحت الدراسة الأولى الأهداف الأساسية للتقارير المالية، وتتلخص فيما يلي:

‌أ.     توفير معلومات مالية عادلة وموثوق بها عن الموارد الاقتصادية التي تمتلكها المنشأة من جهة والالتزامات المترتبة عليها تجاه المالكين والمقرضين من جهة ثانية.

‌ب.       تزويد المستخدمين وأصحاب الصلة بالتغيرات الحادثة في المركز المالي للمنشأة.

‌ج.        توفير المعلومات الكافية واللازمة لتمكين المستخدمين من اشتقاق واستخراج بعض المؤشرات الكمية.

‌د.    الإفصاح عن الأسس والسياسات المحاسبية المستخدمة في إعداد القوائم المالية حيث تقوم الشركات بتحقيق هذه الأهداف من خلال نشرها للتقارير المالية السنوية والتي تتضمن التقارير المالية الأساسية، الدخل, والوضع المالي, وقائمة التدفق النقدي كما تقوم هذه الشركات بتقديم هذه القوائم لعامين متتاليين بالإضافة إلى المعلومات الملحقة بهذه القوائم والتي توضح السياسات والأسس المحاسبية المختلفة المستخدمة من قبل الشركة لإعداد القوائم المالية.

أما القائمة رقم(2) والصادرة عن مجلس معايير المحاسبة في أمريكا (FASB) في عام 1980 فقد جاءت استكمالاً للجهود الرامية إلى تعزيز محتوى القوائم المالية حتى تحقق أكبر فائدة ممكنة للمستخدمين والمستفيدين الخارجيين, لذا جاءت هذه القائمة لتحدد مفاهيم جودة المعلومات والخصائص التي يجب أن تتوفر فيها ووضعت القائمة مجموعة خصائص نوعية (Qualitative Characteristics) لتستخدم كأساس لتقييم مستوى جودة المعلومات المحاسبية المقدمة من هذه الشركات. وقد قسمت هذه الخصائص والمعايير إلى خصائص رئيسة وأخرى فرعية. أما الرئيسة فهي: الملاءمة وإمكانية الاعتماد (الوثوق), والفرعية هي: القابلية للمقارنة والثبات.

إن توفير المعلومات المحاسبية ليس هدفًا في حد ذاته وإنما ضرورة أن تكون هذه المعلومات ذات محتوى إعلامي نافع يمكن الاستفادة منه من جانب مستخدمي المعلومات، وإن المنفعة ترتبط بالمعلومات وفائدتها من وجهة نظر معدي التقارير والقوائم, أي أنها تلتصق بالمعلومة.[10]

أما مجلس معايير المحاسبة الدولية (IASB) الذي هو هيئة مستقلة من هيئات القطاع الخاص تم تشكيلها سنة 1973 فقد حدد أهدافه بما يلي:[11]

                          أ‌-       صياغة ونشر معايير محاسبية تُراعى أو يؤخذ بها في عرض القوائم المالية, وتشجيع قبولها ومراعاتها في جميع أنحاء العالم بما يخدم مصلحة الجمهور.

                        ب‌-     العمل بصورة عامة على تحسين القوانين والضوابط ومعايير وإجراءات المحاسبة المتعلقة بعرض القوائم المالية والتوفيق بينها.

لقد أدت هذه الأهداف إلى محاولات للتنسيق والتوفيق بين أنشطة العديد من البلدان والوكالات المنخرطة في وضع معايير المحاسبة, ويشكل مجلس معايير المحاسبة الدولية نقطة بداية مفيدة للبلدان النامية التي ترغب في وضع معايير محاسبية خاصة بها. فقد طور المجلس إطار عمل مفاهيمي يطلق عليه إطار إعداد وعرض القوائم المالية, وتشابه النتائج الواردة في هذا الإصدار, تلك الواردة في الإطار المفاهيمي لمجلس معايير المحاسبة المالية FASB, وهي أن هدف القوائم المالية توفير معلومات مفيدة لمجموعة كبيرة من المستخدمين لأغراض اتخاذ القرارات, ويجب أن تحتوي المعلومات المتوفرة على الخصائص النوعية مثل الملاءمة والموثوقية وقابلية المقارنة وقابلية الفهم.

إن تبني معايير المحاسبة الدولية ومعايير المراجعة الدولية بشكل مقنون من جانب كافة مزاولي مهنة المحاسبة والمراجعة يعد من أهم وسائل الدفاع ضد أي انعكاسات سلبية لظاهرة العولمة على اقتصاديات الدول النامية, حيث يؤدي الالتزام بهذه المعايير إلى توافر العناصر الإيجابية في القوائم المالية للشركات وغيرها من منشآت الأعمال العام والخاص, والتي من أهمها تقليل الفروق القائمة في الأساليب والممارسات المتبعة في إعداد القوائم المالية (مخرجات نظام المعلومات المحاسبي) ومن ثم توحيد مدلول بياناتها مع قابليتها للمقارنة بين السنوات المختلفة وبين الشركات المماثلة أو المنافسة, وهذا ما يضفي عليها المصداقية والثقة والقبول العام من جانب كافة المتعاملين في أسواق المال الدولية لتكون أساساً لاتخاذ قرارات تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال بين مختلف الدول.[12]

يرى الباحث أن تطبيق المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية بما يتفق والمنهج الاقتصادي والاجتماعي القائم سوف يؤدي إلى تطوير نظم المعلومات المحاسبية القائمة من خلال إرساء أسس للقياس والإفصاح المحاسبي يمكن أن تلتزم بها الوحدات الاقتصادية عند اختيار سياساتها المحاسبية مما يؤدي إلى تضييق الاختلافات وتحديد نطاق البدائل المحاسبية التي يتم الاختيار من بينها وبما يؤدي كذلك إلى تحقيق أكبر قدر من قابلية المعلومات المحاسبية للمقارنة ما يعود بالنفع على المستوى الفردي ومستوى التخطيط القومي ككل فضلاً عن تحقيق الاتساق بين الممارسات المحاسبية المحلية والممارسات الإقليمية والدولية.

 

المعوقات البيئية الإدارية والمالية في القطاع العام الاقتصادي (المتغير الأول):

إن محاولة إعادة بناء نظام معلومات محاسبي في القطاع العام الاقتصادي في سورية وفقاً لمتطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي وبإطار مفاهيمي يستقي محدداته من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية في الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة لتلك المؤسسات والشركات لم يراع الخصائص البيئية للقطاع العام الاقتصادي محل التغيير، والتي تكرست عبر ثلاثة عقود من الزمن، وتتجلى في ثلاث قضايا أساسية هي: الترهل الإداري، غياب أو ضعف المنافسة وعدم أولوية هدف الربح من منظور قطاع الأعمال، والانخفاض الشديد في كفاءة الموارد البشرية.

أولاً: الترهل الإداري:

يجب النظر إلى الوحدة الاقتصادية كنظام كلي يحتوي على مجموعة من النظم الفرعية التي من أهمها نظام المعلومات المحاسبية ونظام المعلومات الإدارية والتي يجب أن تتكامل فيما بينها بتنسيق معين كي يكون لها قدرة أكبر وفاعلية أكثر في تحقيق أهدافها الفرعية ومن ثمّ تحقيق الهدف العام المتمثل بهدف الوحدة الاقتصادية باعتبارها تمثل النظام الكلي لتلك النظم. وعليه فإن من أولى اهتمامات الإدارة وأولوياتها تأمين وجود نظام معلومات محاسبي متطور قادر على تأمين المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات المناسبة؛ ولذلك فإن من أهم العوامل التي ساهمت في ضعف أنظمة المعلومات المحاسبية وبالتالي في مستوى الأداء في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي الخلل الإداري الذي تجلى في تمركز السلطة في يد الإدارة العليا وعدم تفويضها إلى المستويات الأدنى من الإدارة، مما يؤدي إلى عدم قدرة هذه المستويات على إدارة العمل واتخاذ القرارات المناسبة (الحد من المبادرة)، ومن ثم الاعتياد على الإتكالية أو التهرب من تحمل المسؤولية، الأمر الذي يجعل الإدارة في المؤسسات والشركات غير مهتمة بوجود نظام معلومات محاسبي جيد لما قد يظهره من قصور في الأداء؛ وتتضح هذه الظاهرة في العلاقة بين الوزارات ووزارة المالية من جهة وبين المؤسسات والشركات في المحافظات؛ وينشأ عنها ثلاث قضايا هامة تساهم في تعميق هذا الخلل:

· القضية الأولى: تتمثل في عدم مرونة الإدارة العليا وتلكئها، والذي ينعكس في تأخر إصدار الحلول لمشاكل أو أنظمة تطوير تطالب بها الإدارات المحلية، منها مثلاً إصدار قانون حل التشابكات المالية الذي صدر في عام 2003 ولم يطبق حتى الآن، أو تشكيل لجنة وزارية لإعادة تقويم الأصول الثابتة في تلك الإدارات ولم يتحقق ذلك بعد، أو اعتذار وزارة المالية عن القيام بدورات تدريبية للعاملين في قسم الحسابات على تطبيق النظام المحاسبي الجديد في الوقت الذي تنص المادة 9 منه على أن تطبيق هذه الدورات يتم بقرار من وزير المالية، أو عدم تشكيل اللجنة الاستشارية الدائمة حتى الآن والتي ستشرف على تطبيق النظام المحاسبي الجديد وتقوم باقتراح الإضافات والتعديلات والتفسيرات اللازمة التي تطلبها ظروف التطور والتطبيق العملي، على أن تصدر بقرار من وزير المالية وتعتبر جزءاً من هذا النظام المحاسبي؛ وتخشى الإدارات المحلية من استمرار هذا الواقع مع تطبيق النظام المحاسبي الجديد والمشكلات التي ستنجم عن ذلك.

· أما القضية الثانية فتتمثل في عدم وضوح آلية اختيار وتعيين أفراد هذه الإدارات وعادة يتم وفق اعتبارات تبتعد عن العلمية والمهنية وهذا ينطبق على كل المستويات الإدارية، مما ينشأ عنه خلق رغبة عند كل مستوى في إخفاء معلومات قد تعطي انطباعاً عن سوء الإدارة، كأن يتم إضافة مصاريف الصيانة وخاصة المتعلقة بوسائط النقل إلى تكلفة الأصل لإخفاء هذه المبالغ، أو لتخفيض الخسائر، أو محاولة تعظيم الخسائر للحصول على مزيد من القروض من صندوق الدين العام….إلخ.

·  أما القضية الثالثة فهي انعكاس للقضايا الأخرى وتندرج في إطار عدم التعاون الجدي لبعض الإدارات ضمن المؤسسة أو الشركة الواحدة مع قسم الحسابات لمعالجة العديد من القضايا وخاصة القسم الفني سواء في تحديد طبيعة بعض الأصول الثابتة، أو في تحديد العمر الإنتاجي لها أو شروط تخزين بعض المواد…..إلخ، وعادة ما لا يكون للإدارات الأعلى موقف داعم كونها غير متخصصة في الإدارة، ولا تدرك أهمية هذا التعاون وانعكاساته على حسابات النظام ونتائجه.

إن العوامل السابقة ساهمت في إضعاف نظم المعلومات المحاسبية في تلك الإدارات، وستستمر في ذلك إن لم يتم تلافي هذه المشاكل.

ثانياً: غياب أو ضعف المنافسة وعدم أولوية هدف الربح:

لقد عمل القطاع العام الاقتصادي لفترة زمنية طويلة في بيئة تخلو من المنافسة الضرورية لتحفيز الإدارات على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة من خلال تخفيض التكاليف وتعظيم الربحية وتحسين جودة المنتج أو الخدمة، وهذا لا يمكن دون استخدام مخرجات الأنظمة المحاسبية “المعلومات المحاسبية” للمفاضلة بين البدائل واتخاذ القرارات المناسبة، مما يفسر إلى حد كبير العديد من المشاكل الاقتصادية والمالية التي يعاني منها هذا القطاع كالهدر والخسائر المتراكمة وانخفاض جودة المنتجات أو الخدمات….. في الوقت الذي ينصب فيه معظم العمل الرقابي من قبل الأجهزة الرقابية الخارجية والداخلية على الشكليات دون الدخول في الجوهر كتقييم الأداء والمحافظة على صافي الأصول، في ظل الغياب الكامل للوظيفة الرقابية للنظام المحاسبي ذاته المهمل عملياً.

ثالثاً: الانخفاض الشديد في كفاءة الموارد البشرية:

إن الانخفاض الشديد في كفاءة الموارد البشرية التي تعمل في مجال النظم المحاسبية، ما هو إلا نتيجة طبيعية لإهمال نظم المعلومات المحاسبية في الإدارات كما بينا سابقاً، بالإضافة إلى عوامل أخرى كتعيين غير المختصين من خريجي كليات الاقتصاد قسم المحاسبة وانخفاض التدريب والتأهيل النوعي والمستمر وضعف المناهج الجامعية المتخصصة في العلوم المالية والمحاسبية، وانخفاض مستوى المهنة بشكل عام في سورية؛ وإن تدني كفاءة الموارد البشرية حالياً يشكل العامل الأهم في تأخر تطبيق النظام المحاسبي الجديد من قبل الكثير من مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي.

 

النظام المحاسبي الجديد ومدى قدرته على إنتاج المعلومات المحاسبية الملائمة (المتغير الثاني).

أولاً: النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287) لعام 1978 في سورية:

انطلاقاً من اقتصاد الحاجات, وفي إطار تخطيط شامل على مستويات متعددة تبدأ من المؤسسة أو الشركة العامة ثم الصناعة ثم القطاع الاقتصادي والمستوى القومي, تم وضع النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287) لعام 1978 في سورية, للاستفادة من بيانات المحاسبة المالية في:

1).          التخطيط على المستوى القومي من ربط بيانات النظام بالحسابات القومية.

2).          وضع الموازنات التخطيطية على مستوى الوحدة الاقتصادية ثم المستويات الأعلى وتخطيط التكاليف وتحديد الأسعار….

3).          تحقيق الخطة ومراقبة تنفيذها من خلال تتبع الأداء الفعلي في مجال الإنتاج والبيع وغيرها.

4).          تقييم النتائج وتقرير السياسات….

وعليه فقد انطلق هذا النظام أولاً من التوجه الاقتصادي السائد آنذاك، وثانياً تلبية لمتطلباته التي تمحورت حول التخطيط المركزي المبني على اقتصاد الحاجات وربط بيانات النظام بالحسابات القومية.

وقد استمر العمل بهذا النظام ثلاثة عقود تقريباً دون تغيير يذكر مخلفاً العديد من الوقائع التي شكلت فيما بعد ضرورات للتغيير نذكر منها:

1).     الارتفاع الملحوظ في التكاليف نتيجة لعدم الاستغلال الأمثل للموارد في ظل الغياب الطويل لآلية عمل الأسواق وانعدام المنافسة وربط النتائج مع متغيرات السوق.

2).     الخسائر المتراكمة التي منيت بها العديد من مؤسسات وشركات القطاع العام لأسباب عديدة منها ارتفاع التكاليف كما ذكرنا سابقاً، وإهمال مؤشر الربح الذي يشكل المعيار الأهم في الحكم على مدى نجاح تلك المؤسسات والشركات وقدرتها على الاستمرار، مع إهمال عمليات التدقيق والمراجعة التي تقوم بها الأجهزة الرقابية المختصة لمتطلبات التدقيق التي تعتمد على تلك المؤشرات وفي ظل غياب واضح لأي معايير تدقيق، الأمر الذي ساهم في تخلف كل من مهنتي المحاسبة والمراجعة.

3).     الاستمرار في تطبيق نموذج التكلفة في القياس المحاسبي مهما اختلفت طبيعة العناصر التي يتم قياسها ولفترة زمنية طويلة، في إهمال واضح لمداخل القياس التي تعتمد على الأسواق ومتغيراتها مما أدى إلى فقدان القوائم المالية (التي تقتصر على القوائم التقليدية المبنية أساساً على اقتصاد الحاجات كما أشرنا سابقاً) لمدلولاتها الفعلية في القياس والإفصاح اللازمين لمعرفة مدى تحقيق الأهداف من حيث الكفاءة والفعالية.

4).    النتائج السلبية المترتبة على التشابكات المالية ولفترة زمنية طويلة بين تلك المؤسسات والشركات وبين صندوق الدين العام حيث تقوم الأولى بتوريد فوائضها الاقتصادية (فائض الموازنة وفائض السيولة)، ويقوم الثاني بإقراضها لتمكينها من القيام بخططها الإنتاجية خلال الدورة المالية وما ترتب على هذه العلاقة من حرمان تلك المؤسسات والشركات من عمليات استبدال وتجديد أصولها الثابتة في الوقت المناسب مع ارتفاع التكاليف المترتبة على عملية الدين وخدمته، ناهيك عن المشاكل الإدارية والرقابية التي تمحورت في اللامبالاة والإتكالية وعدم المسؤولية وفقدانها لأهم الأسباب الداعية إلى التحليل المالي وتقييم الأداء والمساءلة وغيرها.

5).          عدم المقدرة-وكنتيجة لما سبق- على حماية الأصول والمحافظة عليها كأحد أهم الأهداف التي يبنى عليها النظام المحاسبي.

إلا أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية المتتالية التي حدثت في سورية, والتركيز على طاقة القطاعات الاقتصادية (قطاع عام- قطاع خاص- قطاع مشترك) على حد سواء والاستفادة من مقدراتها في خدمة عملية التنمية, وضخامة الأعباء التي يتحملها القطاع العام الاقتصادي بحيث لم يعد قادراً لوحده على إنجاز خطط التنمية وعودة هدف الربح ومعايير الكفاءة والفعالية كعناوين أساسية لتقييم أداء المشروعات والوحدات الاقتصادية والتي تعد المحاسبة المالية البيئة المناسبة لها, استدعى تطوير أنظمتها المحاسبية بما ينسجم وتلك المتغيرات ووفقاً لمتطلبات المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية لإنتاج المعلومات المحاسبية الملائمة.


ثانيـاً: أهم الاختلافات بين النظام المحاسبي الموحد الصادر بالمرسوم (287), والنظام المحاسبي الأساسي الصادر بالمرسوم (490):

1).     في الموجودات الثابتة: في النظام القديم أفرد حساب خاص رقم (118) للنفقات الإيرادية المؤجلة, في حين أن النظام المحاسبي الأساسي قد أفرد حساباً خاصاً للأصول غير الملموسة (118) يتكون من أصول غير ملموسة مشتراة, أو أصول غير ملموسة مولدة داخلياً (1181,1182).

2).     في المشروعات تحت التنفيذ: في القديم يتكون من 9 حسابات في تصنيف مشابه لتصنيف الموجودات الثابتة, أما الجديد فقد قسم الحساب العام (12) إلى ثلاثة حسابات فرعية هي التكوين الاستثماري (121) والإنفاق الاستثماري (122), واعتمادات مستنديه وسلف لشراء أصول طويلة الأجل (123). ومن الواضح أن التصنيف الجديد إنما يهدف إلى الاعتماد على الوحدة الاقتصادية أكثر سواء في تجديد أصولها من خلال الحساب (122) أو التوسع في استخدام أصول غير ملموسة تساهم في تطوير العملية الإنتاجية بشكل عام سواء عن طريق الشراء أو عن طريق التوليد (التصنيع) الداخلي.

3).     إضافة حساب جديد وهو استثمارات طويلة الأجل(13) يحدد استثمارات المؤسسة أو الشركة في أصول عقارية أو شركات تابعة أو شركات زميلة, وإقراض طويل الأجل. ويفترض بهذا الحساب أن ينظم العلاقات المالية (التمويلية) بين المؤسسات وشركاتها التابعة أو فيما بينها.

4).    إضافة حساب جديد هو أعمال تحت التنفيذ خاص بقطاع المقاولات (147) يهدف إلى التمييز بين الاستثمارات طويلة الأجل التي تتميز بطابعها الرأسمالي, وبين تلك الاستثمارات التي تقوم بها منشآت المقاولات والإنشاءات والتعمير والإسكان والمرافق وما يماثلها, وتكون عادة بغرض المتاجرة (تعهدات لصالح الغير) ويعامل هذا الحساب معاملة حساب الإنتاج غير التام (142) في حال انتهت السنة المالية ولم ينجز التعاقد أو يتم تسليمه.

5).           إعادة تصنيف الاستخدامات بشكل ينسجم إلى حد كبير مع متطلبات المحاسبة المالية بشكل أساسي, وتصنيفها بحسب طبيعتها.

6).           إلغاء الحسابات لحاجة الحسابات القومية (فرق تقويم التغيير في مخزون الإنتاج التام 358 …إلخ).

7).           المحافظة على عملية الدمج بين محاسبة التكاليف والمحاسبة المالية.

وهناك العديد من الاختلافات الأخرى التي ستظهر جلياً خلال التطبيق العملي, علماً أن الأحكام الختامية للنظام قد أقرت بوجوب استمرار المنشآت بتطبيق نظام محاسبة التكاليف أو تعديله بما لا يخالف أحكام هذا النظام أو بما لا ينسجم ومعايير المحاسبة الدولية, في حين تستمر في تطبيق أحكام ونسب الاهتلاك الصادرة بالقرار رقم 569 لعام 1967 (قواعد ومعدلات وطرق احتساب الاهتلاك), مع عدم احتساب أي اهتلاك للأصل الثابت القابل للاهتلاك قبل البدء باستخدامه.

أما بالنسبة للحسابات القومية فتعد خارج الدفاتر لأغراض إحصائية وبناء على طلب الجهات الوصائية, أما متممات القوائم المالية فتصدر بقرار من وزير المالية لاحقاً.


ثالثاً: الاعتراف والقياس والإفصاح في ظل النظام المحاسبي الأساسي (الجديد):

إن محاولة إعادة بناء النظام المحاسبي وفقاً لمتطلبات السوق وبإطار مفاهيمي يستقي محدداته من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية في الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة لم ترتق إلى ذلك المستوى المنشود في ضوء المعطيات التالية:

1.   لقد حاول النظام أن يضع بعض مقومات الإطار المفاهيمي، حين بدأ مواده بوضع ثلاثة مبادئ، مع باب منفصل للتعاريف والمصطلحات والقواعد، كما اعتمد النظام على المعايير الدولية فيما يتعلق بالاعتراف، في الوقت الذي اقتصر فيه على نموذج التكلفة التاريخية فقط دون طرق القياس الأخرى التي تعتبر من متطلبات تطبيق المعايير، مما يؤدي إلى نقل مشاكل التطبيق الطويل لهذا النموذج إلى النظام الجديد، سواء من حيث عدم دلالة الأرقام الواردة في القوائم وبالتالي واقعيتها وصحتها، أو من حيث عدم المحافظة على رأس المال، ، مما يعد من نقاط الضعف الهامة التي ستواجه الإدارات التي تعول على تلك المعلومات التي سينتجها النظام الجديد في اتخاذ القرارات المناسبة، خاصة وأن عملية الانتقال لن يصاحبها عمليات إعادة تقويم جديدة لأصول والتزامات مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي.

2.  لقد اختار النظام المحاسبي الجديد بعض المعايير فقط دون بعضها الآخر على الرغم من أهميتها كالمعيار IFRS5 معالجة الأصول غير المتداولة المحازة بغرض البيع والعمليات المتوقفة والمعيار IAS8 السياسات المحاسبية والمعيار IAS10 الأحداث اللاحقة، في الوقت الذي اختار من المعايير المعتمدة بعض متطلبات تطبيقها فقط، الأمر الذي يتناقض والهدف العام لتطبيق المعايير الدولية كوحدة واحدة، ومع خصائص المعلومات المحاسبية التي نص عليها النظام الجديد نفسه كقابلية الفهم وصحة النتائج[13].

3.   لقد نص النظام المحاسبي الجديد على الاستمرار في تطبيق معدلات الاهتلاك الصادرة بالقرار رقم 569/و لعام 1967 وتعديلاته[14]، علماً أن معظم هذه المعدلات التي يعود معظمها لأربعة عقود مضت لم يعد صالحاً للتطبيق في الوقت الحالي، مما يرتب قياساً إضافياً خاطئاً للأصول الثابتة.

4.  لا شك أن النظام المحاسبي الأساسي قد تجاوز معيار تطبيق المعايير لأول مرة IFRS1 حين حافظ على طرق القياس القديمة، وبالتالي مكّن إلى حد كبير من إنجاز الميزانية الافتتاحية على الواقع القائم بكل سلبياته التي أشرنا إليها سابقاً، مقتصراً على بعض عمليات التصنيف الجديدة لمكونات قائمة المركز المالي. وعليه، يمكن إعداد الميزانية الافتتاحية والسير قدماً في تطبيق النظام وفق الاعتبارات التالية:

‌أ.   إعادة تصنيف عناصر قائمة المركز المالي بتاريخ 31/12/2008 وفقاً للنظام المحاسبي الأساسي، مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الاعتراف بكل عنصر من تلك العناصر.

‌ب. مبدئياً، لا ضرورة لتعديل أي من قيم تلك العناصر بشكل جوهري بعد أن أرسى النظام المحاسبي الجديد معظم طرق القياس المعتمدة في ضوء النظام المحاسبي الموحد.

‌ج.    يتم إلغاء العناصر المتعلقة بمتطلبات الحسابات القومية إن وجدت، وهي لن تؤثر على التوازن القائم.

‌د.      يتم المحافظة على الحسابات المرتبطة بمحاسبة التكاليف ومراكز المراقبة إن وجدت، ودون تغيير.

‌ه.      بالنسبة لمجمعات الاهتلاك وأعبائه، يعتمد نص القرار السابق وأي قرارات أخرى سابقة ريثما يصدر قرار جديد بهذا الخصوص.

‌و.   بالنسبة لأي مشاكل تنجم عن إعادة صياغة الميزانية الافتتاحية كالأصول المتوقفة عن العمل أو المصنفة لأغراض البيع على سبيل المثال، ومشاكل أخرى أثناء التطبيق العملي، لم يتم التطرق إليها، علماً أنه كان من الممكن اعتماد معايير إضافية تعالج هذه القضايا.

5.   لقد تم النص على معيار إندماج الأعمال IFRS3 عند تصنيف الأصول في دليل الحسابات, حيث يمثل الحساب 13 استثمارات طويلة الأجل تقتنيها المؤسسة أو الشركة أو المنشأة للأجل الطويل, كما نص على قياس تلك الاستثمارات بالتكلفة, وهذا يترتب عليه القضايا التالية:

‌أ.       عدم استخدام القيمة العادلة في قياس الأصول والالتزامات والالتزامات المحتملة بتاريخ الاستحواذ.

‌ب.  لن يترتب على عملية الاستحواذ أي مكاسب أو شهرة باعتبار دمج الأصول والالتزامات بالقيمة الدورية المعدلة (صافي القيمة الدفترية).

6.   يظهر جلياً من دليل الحسابات إفراد حساب مساعد هو (133) استثمارات في أسهم شركات شقيقة (زميلة) ضمن حساب (13) هو أصول طويلة الأجل (أصول غير متداولة) المقابل للمعيار IAS28 يجعل من الملزم لشركات ومؤسسات القطاع العام أن تفصح عن أي استثمارات لها في شركات ومؤسسات أخرى مستثمرة فيها وفقا للمحددات التالية:

‌أ.       أن تقاس هذه الاستثمارات بالتكلفة بطريقة حقوق الملكية.

‌ب.  يفترض أن تكون تكلفة الاستحواذ مساوية تماماً لنصيب المؤسسة أو الشركة المستثمرة في القيمة الدفترية لصافي أصول (حقوق المساهمين) للشركة المستثمر فيها.

‌ج.  أن التكلفة الأصلية (القيمة الدفترية) للاستثمار تزيد من خلال حصة المنشأة المستثمرة في أرباح الشركة المستثمر فيها, وتنقص من خلال حصتها في خسائر المنشأة المستثمرة فيها والتوزيعات المستلمة.

‌د.   لا يفترض وجود فروق بين تكلفة الاستحواذ والقيمة الدفترية لصافي أصول المنشأة المستثمر فيها, لعدم نصه على إعادة التقويم وفق القيم العادلة بتاريخ الاستحواذ.

7.    عرف النظام الاستثمارات العقارية الحساب (131) وفقاً لمتطلبات المعيار الدولي IAS40.

‌أ.    اختار النظام نموذج التكلفة لقياس الاستثمارات العقارية في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي, باستخدام الأسلوب القياسي (المعالجة الواردة في المعيار 16), أي بالتكلفة ناقص أي اهتلاك متراكم أو خسائر تدهور متراكمة.

‌ب.   يتم الإفصاح عن هذا الحساب كغيره من الأصول طويلة الأجل, بالتكلفة مطروحاً منه الاهتلاك المتراكم أو خسائر تدهور متراكمة.

8.   كما اعتمد على المعايير الدولية IAS16-IAS38-IAS36 في تعريف الأصول الثابتة المادية والمعنوية والإفصاح عنها، مع الاحتفاظ بطرق القياس السابقة.

9.  كما نص على نفس القوائم المالية الواردة في المعايير (قائمة الدخل والمركز المالي وقائمة التدفقات النقدية) مع بعض الاختلافات التي تتطلبها طبيعة الملكية وهدف الأعمال.

ولعل المشكلة الأهم التي ستواجه تطبيق النظام الجديد الذي من المفترض أنه بدأ اعتباراً من 1/1/2009 هو الضعف الشديد والترهل المزمن الذي أصاب الموارد البشرية القائمة على عملية التطبيق وتخلفها عن اكتساب المهارات المطلوبة في المحاسبة والمراجعة.

مع التقاعس الواضح من قبل وزارة المالية التي أصدرت النظام الجديد عن القيام بأعمال التدريب والتأهيل اللازمة لتلك الموارد على الرغم من تعهدها بالقيام بتلك الدورات بحسب ما جاء في متن المرسوم وكما ذكرنا سابقاً.

 

الاستنتاجات والتوصيات:

يخلص الباحث مما سبق إلى مجموعة من النتائج والتوصيات أهمها:

أولاً: الاستنتاجات:

1.     إن تطبيق منهج اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب توافر أنظمة محاسبية قادرة على إنتاج معلومات محاسبية تفي بمتطلباته الأساسية في الكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.

2.     لكي يتم تطوير نظم المعلومات المحاسبية في القطاع العام الاقتصادي يجب توفير بيئة إدارية ومالية ملائمة تساهم في عملية التطوير باعتبارها المستفيد الأول من المعلومات المحاسبية التي ستنتجها تلك الأنظمة، لذلك فهو يعاني من:

‌أ.      تمركز السلطة في يد الإدارة العليا ولا يتم تفويضها إلى المستويات الأدنى من الإدارة.

‌ب.  الإدارة في المؤسسات والشركات غير مهتمة بوجود نظام معلومات محاسبي جيد لما قد يظهره من قصور في الأداء.

‌ج.   عدم مرونة الإدارة العليا وتلكئها الذي ينعكس في تأخر إصدار الحلول لمشاكل أو أنظمة تطوير تطالب بها الإدارات المحلية.

‌د.  عدم وضوح آلية اختيار وتعيين أفراد هذه الإدارات وعادة ما يتم وفق اعتبارات تبتعد عن العلمية والمهنية وهذا ينطبق على كل المستويات الإدارية.

‌ه.  عدم التعاون الجدي لبعض الإدارات في الكثير من الأحيان ضمن المؤسسة أو الشركة الواحدة مع قسم الحسابات لمعالجة العديد من القضايا المحاسبية ذات منشأ فني أو إداري أو قانوني أو غير ذلك.

‌و.  لقد عمل القطاع العام الاقتصادي لفترة زمنية طويلة في بيئة تخلو من المنافسة الضرورية لتحفيز الإدارات على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة من خلال تخفيض التكاليف وتعظيم الربحية وتحسين جودة المنتج أو الخدمة.

‌ز.   الانخفاض الشديد في كفاءة الموارد البشرية التي تعمل في مجال النظم المحاسبية في مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي.

3.     لقد أصبح تطوير النظام المحاسبي القائم ضرورة تتطلبها وقائع عديدة منها الارتفاع الملحوظ في التكاليف نتيجة لعدم الاستغلال الأمثل للموارد، وإهمال مؤشر الربح، وعمليات التدقيق والمراجعة، ومن ثم الخسائر المتراكمة التي منيت بها العديد من مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي، مع إهمال واضح لمداخل القياس التي تعتمد على الأسواق ومتغيراتها، وعدم المقدرة على حماية الأصول والمحافظة عليها كأحد أهم الأهداف التي يبنى عليها نظام المعلومات المحاسبي.

4.     إن محاولة إعادة بناء النظام المحاسبي وفقاً لمتطلبات السوق وبإطار مفاهيمي يستقي محدداته من المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية في الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي لإنتاج معلومات محاسبية ملائمة لم ترتق إلى ذلك المستوى المنشود في ضوء المعطيات التالية:

‌أ.      اقتصر فيه على نموذج التكلفة التاريخية فقط دون نماذج القياس الأخرى التي تعتبر من متطلبات تطبيق المعايير.

‌ب.  أن عملية الانتقال لن يصاحبها عمليات إعادة تقويم جديدة لأصول والتزامات مؤسسات وشركات القطاع العام الاقتصادي.

‌ج. لقد اختار النظام المحاسبي الجديد بعض المعايير فقط دون بعضها الآخر على الرغم من أهميتها كالمعيار IFRS5 والمعيار IAS8 والمعيار IAS10 ، في الوقت الذي اختار من المعايير المعتمدة بعض متطلبات تطبيقها فقط، الأمر الذي يتناقض والهدف العام لتطبيق المعايير الدولية كوحدة واحدة، ومع خصائص المعلومات المحاسبية التي نص عليها النظام الجديد نفسه كقابلية الفهم وصحة النتائج.

‌د.  إن معظم معدلات الاهتلاك يعود معظمها لأربعة عقود مضت وبالتالي لم تعد صالحة للتطبيق في الوقت الحالي، مما يرتب قياساً إضافياً خاطئاً للأصول الثابتة.

 

ثانياً: التوصيات:

1.             العمل على توفير بيئة إدارية ومالية ملائمة تساهم في عملية تطوير نظم المعلومات المحاسبية في القطاع العام الاقتصادي ولجهة:

‌أ.   المسارعة إلى تطبيق الإصلاح الإداري بما يؤمن التحديد الواضح لخطوط السلطة والمسؤولية، وتحقيق ديمقراطية الإدارة، والحد من البيروقراطية الإدارية.

‌ب. العمل على وضع قواعد علمية ومهنية محددة لاختيار عناصر الإدارات العليا فالأقل وهكذا، تراعي توفر الكفاءة والنزاهة والحكم المهني الموضوعي في تكامل نوعي بين النظم الإدارية والنظم المحاسبية.

‌ج.  إعادة هيكلة الأجهزة الرقابية، سواء الداخلية منها (الرقابة الداخلية) أو الخارجية (الجهاز المركزي للرقابة المالية)، وإعادة تأهيل وتدريب هذه الأجهزة وفقاً لمتطلبات المعايير المهنية الحديثة.

‌د.  مسارعة وزارة المالية إلى تشكيل اللجنة الاستشارية الدائمة الخاصة بالإشراف على تطبيق النظام المحاسبي الجديد، والتدريب والتأهيل المستمر للموارد البشرية الحالية لاسيما العاملين في أقسام الحسابات، ويمكن لها أن تستعين بالجهات الأكاديمية في مختلف جامعات القطر لهذه الغاية من أجل تأمين التطبيق السريع والصحيح للنظام المحاسبي الجديد.

2.             العمل على تطوير نظم المعلومات المحاسبية الجديدة وفقاً للمحددات التالية:

‌أ.   إعادة بناء قائمة المركز المالي الافتتاحية على أساس التصنيف الجديد وبعد إعادة تقويم جديدة لأصول والتزامات المؤسسات والشركات.

‌ب. بالإضافة إلى اعتماد نموذج التكلفة التاريخية، يجب استخدام نماذج القياس الأخرى التي تعتبر من متطلبات تطبيق المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية.

‌ج.  المسارعة إلى تطبيق بعض المعايير الدولية الأخرى التي تعتبر مناسبة في هذا المجال، وبالشكل الذي يضمن تطبيق أقصى متطلبات الاعتراف والقياس والإفصاح المحاسبي لإنتاج معلومات محاسبية تتصف فعلاً بقابلية الفهم والمقارنة والصحة.

‌د.  المسارعة إلى استصدار معدلات الاهتلاك المناسبة، فتعتمد بالنسبة لكل نوع من أنواع الصناعات وإنتاج الخدمات معدلات اهتلاك تنسجم وطبيعة وخصوصية كل نوع من تلك الأنواع.


 

المراجع             REFERENCES

 

1.       البهلول. محمد، تدويل مهنة مراجعة الحسابات و ممارستها: دراسة لمعايير لمراجعة الدولية و لدور شركات المحاسبة الدولية , رسالة دكتوراه, جامعة مانشستر, 2003.

2.                  المادة 1 من المرسوم رقم 490 تاريخ 26/12/2007.

3.                  اقتصاد السوق الاجتماعي واتجاهات تطوره المستقبلية- إعداد وترجمة د.عدنان سليمان- دمشق حزيران 2005, دار الرضا للنشر.

4.                  الزعيم. عصام, اقتصاد السوق الاجتماعي إزاء التحديات الدولية والوطنية, ندوة الثلاثاء الاقتصادية التاسعة عشرة، 22/11/2005.

5.       التقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري، رئاسة مجلس الوزراء، هيئة تخطيط الدولة، مشروع دعم الجاهزية التنافسية، دمشق، 2007، ص51.

6.                  حسين. أحمد حسين علي, (2006), نظم المعلومات المحاسبية (الإطار الفكري والنظم التطبيقية), الدار الجامعية، الإسكندرية, مصر.

7.                    Marshall Romney and Paul Steinbart. Accounting Information Systems. Tenth Edition. Pearson Education: New Jersey, 2006.p6.

8.                    www.infotechaccountants.com (1/11/2008)

9.       خنفر. مؤيد راضي, المطارنة. غسان فلاح, (2006), تحليل القوائم المالية: مدخل نظري وتطبيقي, دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة, الطبعة الأولى, عمان، الأردن, ص15-18.

10.      حمزة. محي الدين, دور المعلومات المحاسبية في ترشيد قرارات الاستثمار في سوق عمان للأوراق المالية- دراسة تطبيقية, مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية– المجلد 23 - العدد الأول- 2007, ص147.

11.              المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية 2006, جمعية المجمع العربي للمحاسبين القانونيين, الأردن.

12.              هيئة التحرير, مجلة الرقابة المالية, معايير المحاسبة والمراجعة المالية في ظل العولمة, العدد49, كانون الأول2006, تونس, ص3.

13.              المادة 8 من المرسوم رقم 490 تاريخ 26/12/2007.

14.              المادة 8 من النظام المحاسبي الجديد– أحكام ختامية- الصادر بالمرسوم رقم 490 تاريخ 26/12/2007.


*   أستاذ في قسم المحاسبة- كلية الاقتصاد- جامعة تشرين- اللاذقية- سورية.

**  مدرس في قسم المحاسبة- كلية الاقتصاد- جامعة تشرين- اللاذقية- سورية.

*** طالب (دكتوراه) في قسم المحاسبة- كلية الاقتصاد- جامعة تشرين- اللاذقية- سورية.

*Professor at the Department of Accountancy, Faculty of Economics, Tishreen University, Lattakia, Syria.

**Lectturer at the Department of Accountancy, Faculty of Economics, Tishreen University, Lattakia, Syria.

***Postgraduate Student (P.H.D) at the Department of Accountancy, Faculty of Economics, Tishreen University, Lattakia, Syria.

2 تعليقات على “نظم المعلومات المحاسبية”

  1. عبدو قداح أضاف بتاريخ

    في ظل الأتمتة والتقدم الهائل في مجال الالكترونيات والبرمجيات , و نظراً لأهمية المرسوم 490 ينبغي أن نعمل سوية لأتمتة هذا العمل بنظام الكتروني برمجي واحد , يأخذ بعين الاعتبار تشعب الحسابات على مستوى القطر , كي لا نصل بعد أشهر لمئات الشجرات المحاسبية ( فالكل يغني على ليلاه ) , هكذا مرسوم يجب أن تنظم له الدورات والندوات , و المحاضرات المقروءة والمسموعة والمسجلة على CD , فالكل يفسر ويعلل ويضيف ويحذف بعقلية العمل الماضي , فلو قمنا بجولة على الشركات العامة المطبقة لهذا المرسوم لرأينا العمل كما هو …(( باستثناء عبارة تم الاعداد بموجب المرسوم 490 لعام 2007 )) وهكذا ألبسوا العمل الماضي لباس المرسوم 490 وبقي الجوهر كما هو …………..
    ـ ويبقى ماقلته رأي قابل للخطأ أولاً …….. مع احتمال الصحة ولو بشكل نسبي ……
    والشكر كل الشكر لمن يساهم في رفعة وتقدم هذا الوطن ……………..

  2. سامح أضاف بتاريخ

    افادني كثييير هذا البحث جزاكم الله خيرآ

شارك بتعليقك